أهلا وسهلا بكم في شبكة دليل العربية

(معاني النحو) أو (علم المعاني) عند النحويين والبلاغيين

والصعوبات التي تواجه الناطقين بغير العربية إزاء ذلك
القراءات: 565        
02/10/2018

إن اللغة نظام من العلاقات التركيبية، حيث إن الجملة تتألف من عدة معانٍ جزئية، تتفاعل فيما بينها، فلا يفهم جزء دون علاقته بالأجزاء الأخرى، فهي بناء داخلي متدرج يتشكل في المفردات لإنتاج المعنى.

والمدخل الصحيح للتعرف على هذه العلاقات هو الجملة العربية ونظام تركيبها، والتعرف على معنى الجملة  للوصول إلى مبناها، وذلك عن طريق عقد صلة وثيقة بين (علم النحو) و(علم المعاني،) والذي  نضجت ثمرته عند عبد القاهر الجرجاني في نظريته المعروفة ب (النظم)، وقد صرح بهذه العلاقة بين النحو والمعاني، وكان يسمي (علم المعاني) باسم (معاني النحو)، وهو علم يقوم على فهم تراكيب بناء الجملة العربية وأسرارها، وقد قدم مادة وفيرة في صدد محاولة بيان المعنى النحوي في التراكيب، وهو ما يراه علم اللغة الحديث وظيفة القوانين النحوية، وهو نفسه ما يسعى إليه تشومسكي وأتباعه عن طريق القواعد التوليدية

ونظرًا لأن فكرة العامل قد استحوذت علي النحاة إذ انشغلوا بالتفريع والتقسيم ومحاولة التقعيد، ظلت معالجتهم لبناء الجملة العربية محصورة في الجانب اللفظي، في حين  كان البلاغيون أكثر شمولاً ودقة إذ تناولوا الجانب المعنوي، وجعلوه أساسًا لبناء علم جديد أسموه (علم المعاني). وكان من نتيحة ذلك انشطار علم بناء الجملة إلى شطرين متغايرين، شطر عند النحاة يعني بالجانب اللفظي، وشطر عند البلاغيين يعني بالجانب المعنوي

لقد بذل عبد القاهر الجرجاني جهودًا قيمة في فهم بناء الجملة، وتعلق بعضها على بعض، وما نتج عنه من نظم وترتيب؛ في سبيل إيضاح المعنى النحوي الدلالي في التركيب والسياق.

فالنحو عنده  يتحدد في مستويين، الأول: البناء العقلي الباطني، الثاني: البناء اللفظي الظاهر، “ذلك أنك ترتب المعاني أولاً في نفسك ثم تحذو على ترتيب الألفاظ في نطقك”([1])، أي إن متلقي اللغة بين مستويين: مستوى لفظي منطوق يمكن ملاحظته، ونشاط عقلي لا يمكن ملاحظته.

إن تحويل الدرس النحوي من منهجه اللفظي إلى المنهج الذي يضع المعنى في المقام الأول، هو العتبة للدخول للنظام النحوي، وفهم تراكيبه

وهو ما يعرف عند تشومسكي بـ (البنية العميقة والبنية السطحية)،  فالمعنى المُنتج يعكس أشكال الفكر الإنساني، ومن ثم لابد من إدراك كيفية تشكله على السطح، من خلال رصد القوانين التي تحقق ذلك؛ وعلى هذا عند التوجه للنحو  ينبغي النظر فيما بين المفردات من علاقات، بوصفها مجسدة للنشاط العقلي ومصورة له، وما يوظف المتكلم من إمكانات نحوية في تشكيل البنية الخارجية.

فالألفاظ لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها، ذلك أن الفكر لا يتعلق بمعاني الألفاظ  ذاتها، وإنما يتعلق بما بين المعاني من علاقات وهذه العلاقات ليست إلا معاني النحو، يقول الجرجاني: “فلا يقوم في وهم، ولا يصح في عقل، أن يتفكر متفكر في معنى فعل من غير أن يريد إعماله في اسم، ولا أن يتفكر في معنى اسم من غير أن يريد إعمال فعل فيه وجعله فاعلا له أو مفعولا، أو يريد منه حكما سوى ذلك من الأحكام، مثل أن يريد جعله مبتدأ أو خبرًا أو صفة أو حالاً، أو ما شاكل ذلك”([2]).

فاللغة معانٍ بالدرجة الأولى، يقول – أيضًا-: “… وأنك إذا فرغت من ترتيب المعاني في نفسك، لم تحتج إلى أن تستأنف فكرًا في ترتيب الألفاظ، بل تجدها تترتب لك بحكم أنها خدم للمعاني، وتابعة لها، ولاحقة بها، وأن العلم بمواقع المعاني في النفس، علم بمواقع الألفاظ في النطق”([3])، فاهتمام عبد القاهر منذ البداية كان منوطًا بالنشاط العقلي بوصفه أصل الأداء، ثم يأتي الرمز اللغوي في مرحلة تالية، بحيث لا يطغى الرمز (الدال) على المرموز إليه (المدلول)، فمثلاً: المبتدأ ليس مبتدأ لأنه منطوق به أولاً، ولا الخبر خبرًا لأنه مذكور بعد المبتدأ، بل كان المبتدأ مبتدأ لأنه مسند إليه، ومثبت له المعنى، والخبر خبر لأنه مسند ومثبت به المعنى([4]).

كما أن عملية إدراك المعنى تبدأ من إدراك المستوى المحسوي، فالعلاقة بينهما متداخلة ومتشابكة؛ لأن التغير في النشاط العقلي الباطني يوازيه بالضرورة تغير في الشكل الخارجي للصياغة؛ حيث إن المتكلم يوظف الاحتمالات والإمكانات النحوية في التراكيب؛ وصولاً للقيمة الحقيقية للمقاصد الواعية.

وبهذا عند إعداد المواد التعليمية تتم معالجة التراكيب النحوية بطريقة وظيفية، ومتدرجة تبدأ من السهل إلى الصعب، ومن البسيط إلى المركب، ومن المعلوم إلى المجهول؛  ابتداءً من تركيب الجملة في صورتها البسيطة المتمثلة في (العلاقة الإسنادية) والتي هي أساس تكوين الجملة العربية، حيث تربط بين عنصرين لغويين بلا واسطة لفظية، أحدهما: المسند، والآخر: المسند إليه، والعلاقة الإسنادية إما أن تكون في إطار الجملة الاسمية، فتقوم بين المبتدأ والخبر، وإما أن تكون في إطار الجملة الفعلية، فتنشأ بين الفعل أو ما يعمل عمله، والفاعل أو نائبه، والعلاقة الوثيقة بين طرفي الإسناد عبر عنها شيخ النحاة سيبويه بقوله: “هما ما لا يغني واحد منهما عن الآخر، ولا يجد المتكلم منه بدًا”([5])، ويشبه النحاة العلاقة بين الفعل والفاعل كجزأي كلمة لا يستغني بأحدهما عن الآخر.

ثم تأتي باقي العلاقات النحوية، وهي: (علاقة التعدية، علاقة الإضافة، علاقة الحالية، علاقة الوصفية، علاقة الإبدال، علاقة التأكيد) فتكون بيان للعلاقة الإسنادية، وزيادة في الفائدة، “ولا يعني هذا أن تلك الفائدة تصبح منفصلة عن فائدة الإسناد، وإنما يعني أن المعنى المستفاد من الجملة بعد الزيادة يصير غير المعنى المستفاد من النواة الإسنادية وحدها. وسبب هذا أن الجملة تؤدي معنى دلاليًا واحدًا لا عدة معانٍ، وكلما أُنشِئَت علاقة جديدة في الجملة تغير معنى الجملة عما كان عليه قبل إنشاء تلك العلاقة، وأدت معنى جديدًا في الجملة، فمثلا عند قولنا: حضر الطالب، فإن هذه الجملة مفيدة، إذ إن المتلقي يجهل حدث حضور الطالب فتأتي لإعلامه بالحدث؛ ورغم هذه الإفادة فإنها تبقى مفتوحة على عدة احتمالات، قد يكون منها: أحضر مبكرًا، أم حضر متأخرًا، أم حضر نشيطًا، أم حضر متكاسلاً، فإذا قلنا (حضر الطالب نشيطًا)، فقد تحدد بالحال (نشيطًا) معنى جديدًا، ولم يوجد المعنى إلا بوجود (نشيطًا)، وتبقى الجملة الإسنادية تحصيل حاصل، فهناك عهد ذهني بين المتكلم والمتلقي، حيث إن المتلقي يعلم بحضور الطالب ولا ينتظر الإخبار عنه، ولكنه يجهل كيفية حضوره وينتظر الإخبار عنها، فجاء الحال لتحقيق الغرض  من التكلم، فالمعنى النحوي إذن هو غاية ومرمى المتكلم والمتلقي على حدٍ سواء.

إذن هذه الإمكانات التركيبية لا تقوم على مجرد ضم المفردات كيفما جاءت واتفقت وإنما على التعليق ومراعاة حال الكلام بعضه ببعض من خلال تلاقي المعاني في ضوء السياق العام؛ إذ إن التجريدات النحوية وسيلة لفظية تتشكل على السطح يستعان بها للوصول للمعنى، والغرض من التركيب.

فالمعيار الذي يحكم تركيب الجملة هو وضوح المعنى الدلالي، وعليه يقوم المتكلم بإنشاء العلاقة النحوية التي تبرز هذا المعنى، ويتحدد نوع العلاقة وفقًا لسياق المقام، وغرض المتكلم من نظم الجملة، والمعنى الذي يريد بيانه والإفصاح عنه أو إبهامه والتمويه عليه.

إن تحويل الدرس النحوي من منهجه اللفظي إلى المنهج الذي يضع المعنى في المقام الأول، هو العتبة للدخول للنظام النحوي، وفهم تراكيبه، فهو ليس عبارة عن تشكيلات تجريدية، إنما هو معاني ومقاصد المتكلم الواعية، التي تنقل الدراسة النحوية من مرحلة الوصف إلى مرحلة التفسير.

والعقبة التي تقف أمام متعلم اللغة أنه يتلقى الدرس النحوي في صورة قوالب لغوية جامدة وتراكيب جافة، بمعزلٍ عن المعنى الدلالي،  ثم مع تقدم مستواه  التعلمي يتم إعطاؤه معاني هذه القوالب في الدرس البلاغي؛ الأمر الذي يشعر متعلم اللغة باتساع الهوة بين اللفظ والمعنى، في حين أن العلاقة بينهما علاقة الروح بالجسد لا ينفصلان.

عند تناول التركيب لابد من البحث عن المعنى أولاً، فالمسألة ليست رصد للتغييرات التي تطرأ على أواخر المفردات، وإنما رصد للعلل والأسباب التي أدت إلى هذا التغيير، وإدراك الوظيفة النحوية، وما تفضي من ناتج دلالي.

لذلك عند تتبع النظام النحوي لابد من الإمساك بخيوط  العلاقات النحوية ودورها في إنتاج المعنى، أي عند تناول التركيب لابد من البحث عن المعنى أولاً، فالمسألة ليست رصد للتغييرات التي تطرأ على أواخر المفردات، وإنما رصد للعلل والأسباب التي أدت إلى هذا التغيير، وإدراك الوظيفة النحوية، وما تفضي من ناتج دلالي.

وبناءً على هذا الفهم  قد اختلف مع من ذهب إلى أن النحو وسيلة وليس غاية، إذ نجده وسيلة وغاية معًا، وسيلة من حيث فهم التركيب اللفظي، وغاية من حيث الوصول للمعنى.

وهذا يقتضي النظر في الأنماط اللغوية التي تتشعب معالجتها بين فروع اللغة؛ مما يترتب عليه تشتيت المتعلم، وتأخير عملية اكتساب اللغة؛ وعليه يتم ضم علم المعاني إلى معاني النحو، وجعله قمة الدراسات النحوية وغايتها، فالنحو العربي أحوج ما يكون إلى هذا العلم، وأولى أن يضم إلى مباحثه.

وعند تقديم النظام النحوي يتم الارتكاز على الآتي:

1- التركيب اللفظي الذي يتشكل على السطح، و الذي يتيح توليد جمل لا نهائية، وينطبق على أي لغة من اللغات من الناحية الشكلية الخالصة.

2- الدلالة التي تتحقق تحت السطح، والتي  تتصل بالعلاقة بين المفردات داخل الجملة وما يتم بينها من تفاعل نحوي يوقفنا على معناها العام.

3- الصوت الذي يتولد عن أي جملة تم تحديدها، ويُستحدث بتأثير العنصر السابق، وهذه المسألة لم تلق العناية الكافية في المجال البحثي للغة العربية.

 


المصادر والمراجع:

1- دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، قراءة: محمود محمد شاكر، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2000.

2- قضايا الحداثة عند عبد القاهر الجرجاني، د. محمد عبد المطلب، القاهرة، 1990.

3- كتاب سيبويه، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، القاهرة، مكتبة الخانجي، ط4، 2004.

4- اللغة العربية معناها ومبناها، د. تمام حسان، القاهرة، عالم الكتب، ط5، 2006. 

5- نظام الارتباط والربط في تركيب الجملة العربية، د. مصطفى حميدة، الشركة المصرية العالمية للنشر لونجمان، ط1، 1997.

المراجع الأجنبية:

6- Syntactic structures. Chomsky. Mouton the Hague.Paris.1972.

الهوامش:

([1]) دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، قراءة: محمود محمد شاكر، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2000، 454.

([2]) السابق، 410.

([3]) السابق، 54.

([4]) السابق، 189.

([5]) كتاب سيبويه، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، القاهرة، مكتبة الخانجي، ط4، 2004، 1/23.

02/10/2018

0 responses on "(معاني النحو) أو (علم المعاني) عند النحويين والبلاغيين"

Leave a Message

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × 4 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

جميع الحقوق محفوظة © شبكة دليل العربية.