مقالات وأبحاث متخصصة في المجال

استراتيجية (80vs. 20) وتوظيفها في تعليم العربية للناطقين بغيرها النظرية والتطبيق

استراتيجية (80vs. 20) وتوظيفها في تعليم العربية للناطقين بغيرها النظرية والتطبيق

بواسطة - د. خالد أبو عمشة
عدد الردود: 0


أردد كثيراً في دوراتي التدريبية هذه المعادلة الرياضية (80vs. 20) بوصفها أحد المبادئ الأساسية المهمة في تعليم العربية للناطقين بغيرها، وأعتقد أن الوقت قد حان لكتابة  مقالة مناسبة توضح مفهوم هذا المصطلح ومجالات تطبيقه في التدريس والتنظير. وأعتقد جازمًا بناء على خبرتي المتواضعة في تدريب الأساتذة في معهد قاصد على مدار العام وفي أرجاء المعمورة أن هذه الاستراتيجية قادرة على تغيير طرائق تدريسك جذريا، وبالضرورة مخرجات تعليمك. لكن دعني -عزيزي المعلم-أوجِّه لك سؤلا حيويًا هنا –قبل أن ألج في مقاربة هذه الاستراتيجية وتناولها بالشرح والبيان: تُرى ما الأشياء التي يمكن أن تجعل تدريسك ناجحاً وإبداعياً ومتميزاً؟

وفي أغلب الظن لو أننا أنك طرحنا هذا التساؤل أيضًا على مجموعات من المعلمين على وسائل التواصل الاجتماعي-على سبيل المثال-لحصلنا على إجابات كثيرة ومتعددة ومتنوعة، منها: التعليم القائم على المشاريع، التدريس وفق المهام، التدريس التفاعلي، التدريس وفق الصفوف المقلوبة والتدريس باستخدام الحاسوب.......إلخ.

وهذا كله جميل ولا غُبار عليه!! ولكن دعني أصدمك (إن سمحت لي ذلك وأظنُّك لن تبخل عليَّ بذلك) حين أقول لك: إنه ليس عليك أنتبحث في كل هذه الوسائل والطرائق كي أن يكون درسك إبداعياً، وإنَّما كل ما عليك فعله هو أن تسلك وتتبع نهج هذه الاستراتيجية الرائعة(80vs. 20).

(80vs. 20) مبدأ وضعه في بادئ الأمر شخص اسمه  باريتو وقد سمي على اسمه، وهو رجل اقتصادي إيطالي،وينص على وجود علاقة ع**ية بين المدخلات والمخرجات، وبعبارة أبسط،فإن حوالي 80 بالمائة من النتائج تأتي من 20 بالمائة من الأنشطة . وعلى الرغم من أن هذا المفهوم يعد من المفاهيم الاقتصادية الأساسية إلا أن منظري تعليم اللغات الأجنبية استطاعوا توظيفه في تعليمها تعليماً حقق نتائج مبهرة في تحقيق الكفاءة اللغوية. وعليه فإن القيام بعدد صغير من المهام يمثل غالبية التقدم الذي يمكن إحرازه، فالمفتاح إذن هو تحديد تلك المجالات الرئيسية وتركيز الطاقة هناك.

إنها بكلمات أخرى استراتيجية فعالة في إدارة الوقت في شتى العلوم والمعارف في الحياة الإنسانية، وينطبق الأمر كذلك في أن نجاح المؤسسة التعليمية يقوم على فعّالية عشرين بالمئة من مدرسيها، فكن من هؤلاء بل على قمة الهرم منهم. فكر بوصفك معلماً الآن في قيمة التركيز على أعلى 20 في المائة من أنشطتك أي المهام ذات القيمة العالية والتأثير الكبير عند تخطيط الدرس وتقديم التعليمات، بحيث يمكن أن تكون النتائج قوية ومبهرة [1].

أمّا المجال الثاني والمهم الذي اكتسبه معلمو اللغات الاجنبية من هذا المبدأ أو هذه الاستراتيجيةفهو مسألة الوقت وتقسيمه بين المعلم والدارسين، إذ لا ينبغي أن يزيد وقت المعلم في التدريس أكثر من 20% من الوقت، فيما يجب أن يكرّس باقي الوقت أي 80% منه للمتعلمين لإتاحة الفرصة لهم ليمارسوا اللغة وينتجوها. وبحسب كثير من الدراسات والباحثين والمعلمين فإن هذه الاستراتيجية قد أثبتت جدواها في مجال تعليم العربية للناطقين بغيرها، وتطبيقها سيغير مجريات تدريسك بشكل جذري.

والآن افترض أنك تريد التخطيط لدرس لغوي في الغد؟ الخطوة الأولى هي تدوين​​كل ما عليك فعله خلال ذلك اللقاء الدراسي. على سبيل المثال: اكتب أهداف التعلم على السبورة، وجهز المادة التعليمية للدرس، وضع التدريبات والتمرينات التي سوف تحقق أهدافك السابقة متدرجة من السهل إلى الأصعب، واجتمع بزميلك وشاركه أفكارك ولربما منسقك أو مديرك، فالسر هو تحديد المهام التي سيكون لها أكبر تأثير على تعلم الطلاب، وعلى مساعدتك في تحقيق أهدافك. يجب أن تفْصل بين ما عليك فعله وبين ما هو ذو قيمة وفعالية حقًا.

إن إنجاز المهام عالية التأثير سوف يؤدي أيضًا إلى رفع ثقتك بنفسك وطاقتك على الإنجاز. بدلاً من أن تشعر أنك تدور في عجلة مفرغة، ستشعر بالتركيز والإنجاز. سيكون لديك شعور كبير بالمضي قدمًا. إذا مارست قاعدة 80/20 في كل ما تفعله، فستبدأ في إنجاز ضعف ما هو معتاد. ولا ريب أنه 
لدينا جميعًا نقاط القوة ونقاط ضعف ناهيك عن الاختلافات بيننا في أساليب التعليم الخاصة بنا وما نستمتع به، وما نعتقده مفيداً وفعّالاً، ولكن هدفك هنا هو تحديد ما يناسبك، وكلما زادت تجربتك، ووظفت خيالك، وتأملت في ممارساتك السابقة، وتعرفت على نفسك أكثر، بدأت في معرفة وتمييز المهام الأكثر تأثيرًا وفعالية وقابلية للتطبيق وتحقيقاً للفائدة المرجوة.

 

مثال تطبيقي على المفردات

ينبغي أن تدرك عزيزي المعلم أن الكلمات ليس سواء في إ**ابها للدارسين، فهناك 20% من الكلمات هي الكلمات الشائعة وكثيرة الدوران في الاستخدام، وهي ما ينبغي التركيز عليه، وربما تكون هذه 20% من الكلمات مختلفة من دارس لآخر، فمن يدرس للتخصص في الشريعة الإسلامية تختلف مفرداته عمن يدرس لأغراض تواصلية لا شك في ذلك. وعليه يجب عليك تحليل هذا الأمر بنفسك. مرة أخرى إذا كنت طبيباً، فستحتاج إلى تعلم كلمات مثل "ضغط الدم"، و "السكري"، و "أعراض" وكل المفردات المتعلقة بأجزاء الجسم والمرض، وتلك الكلمات المرتبطة بالطبمهمة جداً لأنك ستستخدمها في تردد أعلى في لغتك العربية المنطوقة، إذا كانت وظيفتك في اللغة العربية، أما فلان فهو ليس طبيبا؛ وبالتالي فهي ليست مهمة له. وإذا كنت تعمل بوصفك دليلاً سياحياً فمن الواضح أنك بحاجة إلى معرفة آثار ومواقع وتاريخية وغيرها من الكلمات المرتبة بالسياحة والآثار. لذلك ركز على 20٪ من المفردات التي يمكن أن تستخدمها 80٪ من الوقت، واستمر في فعل ذلك.استمر في إعادة تدوير هذه العملية. داوم على فعل ذلك. ركز على المفردة الذي ستستخدمها أكثر من غيره وستحصل على أقصى استفادة منه بهذه الطريقة.

وحريٌّ أن على الطالب تعلم كلمات ومفردات أخرى، فلا مناص من ذلك، ولكن يجب وضعها في سياقها الصحيح. وينبغي التفكير في كونها كلمات نادرة وليست شائعة كالمصطلحات الطبية إذا لم أكن طبيباً، في ضوء أن الكل يعلم أن الدارس إذا رغب في شيء أقبل على تعلمه. وأخيراً أقول احرص عزيزي المعلم دائمًا على تشجيع عودة الدارس إلى المفردات الأكثر شيوعًا وأشعره بالارتياح.وقمين بالإشارة إلى أن الدارس لا يحتاج إلى معرفة كل كلمة باللغة العربية، فهذا ضرب من المحال،لكن من البدهي أن من الأشياء المفيدة التي يجب أنيتعلمها الدارس هو كيفية أن يقول بشكل صحيح، ومناسب للموقف التطبيقي الذي هو بصدده:

عفواً، مرة ثانية.

"آسف، أنا لا أفهمك؟"

"هل يمكن أن تكرر ذلك مرة أخرى ببطء"

"ماذا تعني هذه الكلمة؟"

ماذا تقصد بقولك ذلك؟

وبعد ذلك يمكنك تعلم كل الأشياء الأخرى في أثناء التحدث.

 

مثال تطبيقي على تعلم القواعد

يعد تعلم القواعد مثل تعلّم المفردات في هذا الجانب أيضًا، ذلك أن 20٪ من قواعد اللغة العربية التي يمكنك التركيز عليها سوف تستخدمها 80٪ من الوقت؟ نعم، قدتدرس وقدترغب في تعلم موضوعات قواعدية أخرى من قواعد اللغة العربية، ولكنك قد لا تستخدمها سواء أكانت في الكتابة أو التحدث، لذلك ينبغي ألا تقضي وقتًا طويلاً في تعلمها، وعليه تأكد من أن القواعد التي تتعلمها هي من ضمن قائمة ال 80٪ المستخدمة في الاستعمال اليومي، تلك التي يجب أن تكون ضمن وقت الـ 20٪ من المهام المبذولة في تعلمها، ومن ذلك على سبيل المثال:الزمن المضارع، صيغة المستقبل، والزمن الماضي، والجملة الاسمية والخبرية، والصفة والإضافة وغيرها من التراكيب الشائعة في العربية. وينبغي إعلام الدارسين أنهم لا يحتاجون إلى معرفة كل الموضوعات النحوية وتفاصيلها. ليس من اللازم أن تكونكل جملة ينتجونها شفوياً أو كتابياًبشكل صحيح 100 في المائة لكي تكون مفهومة. يمكنهم تحسين أخطائهم في أثناء التعلم وفي أثناء التحدث والكتابة، كما يمكنهم كذلك أنيهدفوا إلى عدم اقتراف أي أخطاء نحوية في المستقبل، ولكن ينبغي الأخذ بعين الاعتبار بأنه من الطبيعي أن يرتكب المتحدث الأصلي مجموعة من الأخطاء، فكيف الحال بهم وهم غير ناطقين باللغة، وفي نهاية المطاف، يجب أن يكون هدفك هو أن تكون مفهومًا ، ولكي تكون مفهوما لا تحتاج إلى أن يكون كلامك صحيحًا نحوياً طوال الوقت100 ٪!!

وأخيرًا تجدر الإشارة إلى أن هذه القاعدة قاعدة باريتو بأن 80 بالمئة من النتائج تأتي من 20 بالمئة من الأعمال يمكن تطبيقها على مجالات أخرى كثيرة في حيواتنا، منها:

20 ٪ من أصدقائك ربما يحققون لك 80٪ من سعادتك

20 ٪ من الملابس التي تمتلكها ربما ما ترتديه في 80٪ من الوقت

20 ٪ من العبء الذي تقوم فيه في الفصل هو الذي يحقق لك 80٪ من علاماتك.

إلخ.

لكن أرجو أن ألا تطبق -عزيزي المعلم-هذه الاستراتيجية إلا بعد قراءة هذا المقال كاملًا، فلا تكتفي هنا فقط بقراءة 20% منه، وإلا ستضيع منك  80٪ فائدة، وأنا أجزم بذلك!!

 


[1]انظر لمزيد من المعلومات حول هذا المبدأ في: The 80/20 Rule: Maximize Your Potential in Less Time، وانظر: THE 80/20 RULE FOR ENGLISH LEARNERS. وانظر: The Pareto Principle in Language Learning – The 80:20 Rul.