مقالات وأبحاث متخصصة في المجال

التشابك المصطلحي في مجال تعليم العربية لغير أبنائها (الإرسال، المحادثة، التحدث)

التشابك المصطلحي في مجال تعليم العربية لغير أبنائها (الإرسال، المحادثة، التحدث)

oleh أ. محمد عادل الرويني -
Number of replies: 0



يعترينا نحن -أبناء الحقل اللغوي -المعنيين بتعليم العربية لغير أبنائها خلطٌ في بعض مصطلحات الجوانب التي نعلِّمها لطلاب العربية ومن أمثلة ذلك:

- الخلط بين المهارات اللغوية والمستويات اللغوية.

- الخلط بين الإرسال، والتحدث، والمحادثة، والتَّكلُّم.

- الخلط بين اللغة التراكيبية واللغة التواصلية. 

وغير ذلك من الجوانب العملية المهمة، والتي تؤثر بدورها على العملية التعليمية من جانب، أو البحث العلمي من جانب آخر، وفي هذه المقالة سنحاول تسليط الضوء على انتشال مفهوم التحدث والفصل بينه وبين المحادثة من جهة وبيان مصطلح الإرسال الذي يعتبر الأوسع على الإطلاق في تعليم اللغات من جهة أخرى.


أولاً: مفهوم الإرسال في مجال العربية للناطقين بغيرها والفرق بينه وبين المصطلحات الأخرى.

إننا نعني بالإرسال هنا مدى قدرة الطالب على توظيف مكونات اللغة العربية في التَّواصل مع الآخرين من خلال أنماط عديدة أهمها (المحادثة البسيطة، المناقشات، إبداء الآراء، الاعتراض المبرر، العرض الفكري، الترجمة، التَّعليم، التأليف، ...الخ)

فمصطلح الإرسال أوسع من آحاد المصطلحات التي تدل على التحدث أو التكلُّم أو المحادثة، إذ يشملها جميعها بما فيها التعبير الكتابي واستخدام الكلام الإبداعي.

ومن هنا تتضح الرؤية الضعيفة تجاه هذا المفهوم عندما نختزله في مصطلح (المحادثةConversation )، والتي نقلنا مفهومها وآلية ممارستها والتعامل مع طلابنا من منطلقات تعليم اللغة الإنجليزية وغيرها للطلاب.

 فتجد المصطلح الشائع لدى المعلمين والطلاب والمناهج يتردد غالبًا بـ (حصة المحادثة)، (تدريبات المحادثة)، (نصوص المحادثة) ...إلخ، في الوقت الذي ربما يكون التمرين عبارة عن إنشاء النص فَرْدِيًا من قِبَلِ الطالب نفسه ومع ذلك يُسمى تمرين المحادثة.

ولهذا يجب علينا التفريق بين تلك المصطلحات؛ ومن ثم وضع الدروس والتدريبات المناسبة لتلك المفاهيم.


ثانيًا: مفهوم المحادثة في العرف التعليمي.

مهارة المحادثة هي المصطلح الأوسع انتشارًا واستخدامًا بين أبناء (تعليم العربية لغير العرب)، ويقصدون به كلَّ ما يمكن أن يؤدي بالطالب إلى التحدث سواءً كان عن طريق الحوار أو النقاش أو بناء النص ... إلخ.

ولا شك أن هذا اختزال خطير يؤدي إلى تأخرٍ في تنمية المهارات التواصلية.

وما يهمنا هنا هو المفهوم البسيط للمحادثة بالآلية العربية وليس بآليات الترجمة؛ لأنه قد تقرر معنا وجود إشكال حقيقي بين ترجمة المصطلح ومفهومه العملي في اللغات. [1] 

 فالمحادثة في شكلها البسيط تواصل لغوي تُنشئه مجموعة أفراد لا تقل عن طرفين. وكما نعرف أنَّ وزن (مُفَاعَلة) يدل على المشاركة في بناء الحدث كذلك المحادثة يبنيها غير واحد.

ولعل جميع المعلمين يعرفون طبيعة المحادثات التي تُدَرَّسُ للطلاب؛ لأنها – علموا أو لم يعلموا - اللبنة الأولى في صرح عملية الإرسال والتحدث، فنلاحظ أنماط المحادثة مثل: (في السوق: حوار بين البائع والمشتري)، (في المطار: حاور بين المسافر وضابط الجوازات)، (عند الطبيب: حوار بين المريض والطبيب) ... إلخ من المحادثات التي تظهر في شكل قوالب لغوية يحفظ الكثير من الطلاب أغلب تراكيبها ويستخدمونها في التواصل ويحبون مدارستها.

وبذلك يمكننا أن نعلم الطلاب المحادثات، ثم ننتقل بهم إلى مهارة أصعب قد تكون المناقشات، ثم الردود السريعة، ثم الارتجال اللغوي ... وهكذا في سلسلة طويلة من مهارات الإرسال اللغوي خاضعةً للتطور بتطوير المعلم وتجريبه.

وليس – طبعا – ذلك المفهوم يَـحُدُّ للمتخصصين أطراف المحادثة أو سماتها فالكثير من الباحثين تناولوا المصطلح بالتحليل والشرح ونقلوا كثيرا من المفاهيم والأطر الغربية والعربية للنقاد والفلاسفة اللغويين. [2] 


ثالثًا: الفرق بين مهارة المحادثة والتَّحَدُّث.

كما ذكرنا قبل ذلك أن الخلط بين أنماط الإرسال اللغوي سمة واضحة لدينا وأهمها الخلط بين مفهوم المحادثة، والتَّحدث، فأغلب المعلمين يطلقون على جميع مهارات الإرسال إما المحادثة، أو التحدث ويعنون بهما شيئًا واحدًا.

إلا أن ثمة فرقًا واضحًا يساعدنا على الفصل بينهما ومن ثم تنمية كل مهارة على حدة، وأهم تلك الفروق ما يلي:

  1. في المحادثة يتناوب طرفان فأكثر إنتاجَ النَّصِّ؛ إذ المحادثة تقوم على المشاركة والتفاعل والارتجال أيضًا، بينما في مهارة التحدث نجد الأمر أعمَّ من ذلك فقد يشترك المتحدثون، وقد يقوم بإنتاج النص متحدثٌّ واحدٌ فقط.
  2. يشمل التحدث أنماطًا كثيرة من ألوان الإرسال اللغوي، فمثلاً المناقشات العلمية، وعرض وجهات النظر، والأخذ والرَّد في موضوعٍ ما يدخل ضمن مهارة التَّحدث ولا يدخل ضمن مهارة المحادثة التي تقوم على البساطة اللغوية، والتي يمكن للطالب أن يمارسها بمجرد التعرف إلى مجموعة مفردات وتراكيب خاصة.

 

رابعًا: استنباط مفهوم مهارة التحدث.

ومن هنا يمكن القول بأنَّ التَّحدث هو النُّضج اللغوي – النسبي طبعا -لطالب العربية على المستويات كافة (النحو، الصرف، الأدب والثقافة، البلاغة، المفردات والتراكيب) فهذه العناصر يجب أن تكون حاضرة وبقوة في (المناقشات، المناظرات، عرض وجهات النظر...الخ) بينما ليس شرطًا أن تتوافر في المحادثة التي يكون الردُّ فيها أحيانا كثيرة بنعم أو لا، أو أوافق أو لا أوافق.

 والآن تتضح فلسفة التساؤل الذي يردده الكثير من المعلمين وتصيبهم الحيرة؛ يقولون: الطالب الفلاني ضعيف في اللغة العربية لكنه قوي في التحدث!

وهذا توصيفٌ غير دقيق، والصحيح أنه ضعيف في اللغة العربية لكنه جيدٌ في (المحادثة) وليس (التحدث)، ولأنه يستطيع أن يشتري ويبيع ويتساءل ويتواصل نسبيًّا نظنُّ أنه امتلك ناصية اللغة، وحصيلةُ مثل هؤلاء مجموعة تراكيب ومفردات ومواقف درسوها وحفظوها؛ ففتحت لهم آفاق جيِّدة وسهَّلَت لهم سبلاً عديدة للتواصل. بينما يحتاج الطالب المتحدث إلى امتلاك عناصر اللغة بمستوياتها وضبط نحوها وصرفها، هذا فيما يتعلق بالطالب الذي يدرس اللغة العربية لأول مرة، أما الطالب الذي اكتسب العربية بالسماع فليس محل الدراسة.

خامسًا: المعادلة المتزنة هي أن نقول بأنه:

 - يوجد طالب ضعيف في العربية لكنه جيد في المحادثة.

- لا يوجد طالب ضعيف في العربية جيد في التَّحدث، كما لا يوجد طالب قوي في اللغة العربية ضعيف في التحدث؛ لأنَّ عنصر الطلاقة والتكلُّم هو أحد مركبات اللغة فكيف يكون قَوِيًا في كلٍّ وضعيفًا في بعض أجزاء هذا الكلِّ ؟!.

والآن نعتقد أن الفرق بين التحدث والمحادثة واضح؛ ويمكن من خلال ذلك وضع منهاج لتطوير المحادثة، ومنهاج آخر لتطوير التحدُّث أو التكلم.

ولعل الكثير من الباحثين والعلماء فطنوا إلى أزمة الخلط هذه بين المهارتين واختزال الإرسال في المحادثة فاستعملوا مصطلح (الكلام) بدلاً من المحادثة، بل وأفرد بعضهم فصلاً كاملاً بعنوان (تعليم الكلام)، ولم يكن لهذا الخلط نصيبٌ في بحثهم، وهي رؤية ثاقبة ومحترمة. [3] 

 


[1]  - العربية في ضوء تعليمها لغير العرب للباحث، فصل إشكاليات الترجمة. 

[2]  - انظر على سبيل المثال: بنية  المحادثة ومكوناتها   الأساسية، أعليك   كايسة، بحث نشرته جامعة بجاية -الجزائر.

وكذلك انظر كتاب معايير مهارات اللغة العربية للناطقين بغيرها، أبحاث محكمة من منشورات المنتدى العربي التركي ص96 

[3]  - انظر مثلاً: الفصل الخامس (تعليم الكلام) من كتاب طرائق تعليم العربية للناطقين بغيرها، تأليف رشدي طعيمة، محمود النَّاقة ص 125.