مقالات وأبحاث متخصصة في المجال

طبيعة إشكاليات الإرسال في صفوف متعلمي العربية من غير أبنائها

طبيعة إشكاليات الإرسال في صفوف متعلمي العربية من غير أبنائها

yazan أ. محمد عادل الرويني -
Number of replies: 0


إشكالية التحدث أو التكلم أو ما يسميها بعضهم (بالطلاقة اللغوية) إشكالية حاضرة في الصف لدى طلابنا بدايةً من المستوى الأول وحتى المستويات المتقدمة والمتخصصة فنجد أكثر الطلاب لا يُجيدون التكلم والتعبير للآخرين في حدود مستوياتهم ولا يتحدثون إلا إلى معلميهم بعبارات ركيكة وبسيطة وللأسف فالكثير من المعلمين يُجارونهم أيضًا ويتحدثون بنفس العبارات حتى يفهمهم الطلاب.

بل أحيانًا يُعبر الطالب لمعلمه كي ينقل ذلك التعبير إلى شخصٍ آخر، وفي المستويات المتقدمة تكون تلك الإشكالية محرجة جدا للطالب ففي إحدى دروسي لمجموعات دروس شرح كتاب قطر الندى لابن هشام الأنصاري يريد الطالبُ أن يُناقشَ لكنه مازال يخجل من ركاكة عباراته وعدم طلاقة لسانه مع أنه بلغ في اللغة المقروءة والمكتوبة مبلغًا محترمًا.

من أسباب زيادة الإشكال.

في اعتقادي إن تلك الإشكالية يرجع تفاقمها إلى أسباب كثيرة أهمها سببان:

السبب الأول:

ميول الكثير من الطلاب واطمئنانهم إلى تعلم اللغة المقروءة والمكتوبة أكثر من استعمال اللغة كوسيلة للتواصل سواءً في التحدث أو الاستماع وذلك لأسباب كثيرة منها:

أ -صعوبة نشاطات التحدث؛ فهي ملكة ضعيفة النمو أصعب بكثير من الجلوس والاستماع والكتابة ولذلك فالكثير من الطلاب ينجحون في الاختبارات التحريرية بينما يخفقون في الاختبارات الشفوية.

ب -تفادي الوقوع في الخطأ أمام الزملاء والناس بسبب الخجل أو الانطواء أو الشعور بالذات وتفادي عدم الظهور بمظهر محرج، فيعتذر الطالب عن أي نشاطٍ فيه تكلُّم أو تواصل، والخطأ الأكبر أن يقبل المعلم اعتذاره ويعفيه من ممارسة هذا النشاط؛ ولهذا لا نجد ذلك الإشكال عائقًا أمام الطلاب الذين يحبون التكلم والحكي أو الاجتماعيين عامةً.

ج -لدى بعض الطلاب اعتقاد قديم؛ بسبب تراكمات الإخفاقات السابقة أعطاه نوعًا من الإحساس بعدم نجاحه في الانطلاق فصار يكتفي بالتعلم الصامت ويرتاح إليه ويقلق ويرتبك عند أول مشافهة؛ ولذلك نـجد هذا النوع من الطلاب يخفقون عند أول اتصال شفوي ولا يستطيعون الاستمرار.

السبب الثاني:

الكثير من المعلمين بل والمناهج التعليمية تعتبر الكلام ملكة تنمو تلقائيا مع تقدم الدارسين في دراسة عناصر اللغة، ومن هنا يحدث القصور في تعليم الطلاب الكلام والطلاقة في التحدث ويُبررُ ذلك على أنه الأمر الطبيعي لدى الأجانب أن يكونوا ضعفاء في التحدث طالما أنهم يدرسونها في بلد غير بلدها.

تلك النظرة بلا شك خاطئة، فالتطور السريع للعملية التعليمة أثبت أهمية تعليم الكلام وأنه لا يقل أهمية عن تعليم القراءة والكتابة والقواعد، بل لو أفردت المناهج التعليمية أجزاء خاصة لأنشطة الكلام وتطبيقاته في مستويات التعليم المختلفة لكان ذلك في عداد حسناتها، فنحن والطلاب -شئنا أم أبينا – ناجحون في تعليم العربية وتعلُّمها إذا نجحنا في الوصول إلى الطلاقة ومُخفقون في تعليمها وتعلُّمها إذا لم نصل إلى الطلاقة.

 وهنا يطرأ سؤالٌ مهم، متى يجب أن يبدأ المعلمون تعليمَ الكلام؟

وفي الحقيقة هذا سؤال ذو تشعبات محدودة فهو يُفهم خطئًا في الكثير من الأحيان ومن ثَمَّ التطبيقات التي بُنيت على التصور الخاطئ تكون خاطئة.

وقبل الإجابة عن هذا السؤال أنقل عن البَاحِثَيْنِ د. رشدي طعيمه ود. محمود الناقة عبارة ثمينة جدًا عن ترابط المهارات أعجبتني؛ لأننا نجد مصداقيتها داخل الفصل التعليمي، يقولان: "ينبغي أن ندرك أن تعليم مهارة من مهارات اللغة يؤثر في تعليم الأخرى، فالمهارات الأربع نسيجٌ واحد لا يمكن فصل بعضه عن بعضه؛ فنمو القدرة على الكلام يؤدي إلى زيادة القدرة على القراءة بطلاقة، وبالانطلاق في القراءة واتساع قراءة الدارس يزداد محصوله اللفظي، وإلمامه بالمفاهيم الثقافية مما يساعده على اختيار مفرداته وأفكاره عندما يتحدث، ومع القراءة الواسعة ومحاولة كتابة بعض الأفكار تزداد حصيلة الدارس اللغوية، وتصبح جاهزة للاستخدام الشفوي"[1]

وهذا مجربٌ وواضح بعدما يتلقى الطالبُ درسَ الاستماع والكلام ننتقل به إلى الدروس الجديدة نجد أنه قد اكتسب مفردات وتراكيب إضافية وعبارات كاملة تفتح له الطريق نحو الطلاقة.

نرجع مرة أخرى لمناقشة السؤال المطروح والذي يتعامل معه الكثير بتصور ومنهجية غير صحيحة.

- فبعض المشتغلين بتعليم العربية يظنُّ أن تعليم الكلام في بداية العملية التعليمية يؤدي إلى ممارسة اللغة بصورة مضطربةٍ؛ لأن القواعد والمفردات مازالت في طور الولادة لدى الطلاب؛ ومن ثم يجب تأخير تعليم الكلام إلى مرحلة متطورة من النضج اللغوي.

- في حين يرى بعضهم أن تعليم الكلام من اليوم الأول ضروريٌّ كي يشعر الطالب بتحقق هدفه الأول وهو التحدث، ولو أننا تأخرنا في تعليم الكلام لحدث للطالب نوع من الإحباط وربما ترك التَّعَلُّمَ اللغوي برمته؛ لذا يجب أن يبدأ بتعلم الكلام حتى قبل البدء في القراءة والكتابة.

والحاصل أنه لا ينبغي بحال من الأحوال تأخير تعليم الكلام ولكننا ننظر إلى أهداف الطلاب من التعلم، فإذا كان الهدف الأول للطالب هو تعلم اللغة لأجل التواصل السريع فقط؛ فإننا نقدم له ما يخدمه من مناهج قصيرة وسريعة تعتني بتعليم الكلام حتى قبل القراءة والكتابة فتعلمه المحادثات البسيطة والتحيات والبرقيات وعددًا كبير من الموضوعات التي يتعلمها بالسماع والترديد لا تعدو كونها محفوظات لغوية تفتح له قنوات التواصل.

بينما لا يمكن إقحام الطلاب الذين يرغبون في تعلم اللغة لأهداف عليا كالتدريس أو الترجمة أو القراءة والبحث في هذا المستوى من الحفظ والتكرار، ولكن نضع لهم دروس الكلام التي تناسب الموضوعات اللغوية الأساسية على حسب كلِّ مرحلة، وهذا هو معنى تعليمهم الكلام من أول درسٍ وليس معناه إعطاء المحادثات والموضوعات ليستمع ويحفظ.

مثال: في درس إسناد الفعل المضارع للضمير (هو) وبعد أن تعرف الطالب على مجموعة كبيرة من المفردات والأفعال يقوم بالتحدث خلال هذا الدرس فيكتب ويحكي لزملائه ماذا يفعل صديقُه (باسل) يوم الجمعة ليبدأ الحديث بكل منطقية وتوازن؛ فهو يفهم بالفعل ما يقول ويعرف فلسفة الجملة وتركيبها.

وعلى هذا فإن دروس التكلم يجب أن تكون في نطاق المستوى اللغوي لا تخرج عنه حتى تتنمى الملكة لدى الطالب ويصير متحدثًا.

 


[1]  - طرائق تعليم العربية للناطقين بغيرها، تأليف رشدي طعيمة، محمود النَّاقة ص 129.