مقالات وأبحاث متخصصة في المجال

الفترة الحرجة ودورها في اكتساب اللغة العربية للناطقين بغيرها

الفترة الحرجة ودورها في اكتساب اللغة العربية للناطقين بغيرها

de د. خالد أبو عمشة -
Número de respuestas: 0


من الموضوعات التي يجب أن يعيها مدرسو العربية للناطقين بغيرها ودارسوها على حدٍ سواء موضوع الفترة الحرجة في اكتساب اللغة العربية لغة ثانية أو أجنبية كون كثير من القرارات التدريسية - انطلاقاً من الأهداف عبوراً بالمحتوى والموضوعات وتعريجاً على الطرائق والأساليب وانتهاء بوسائل التقويم - يعتمد على الفترة الزمنية التي تُكتسب فيها اللغة العربية. وتحاول هذه المقالة تسليط بعض الضوء على هذا الموضوع لكي تتضح طبيعته وتتبين معالمه، وتنكشف مجاهله.

يعد موضوع الفترة الحرجة في اكتساب اللغة الثانية عموماً موضع جدل كبير ونقاش مستمر في نظريات اكتساب اللغة واللسانيات التطبيقية، من حيث ارتباط المقدرة على اكتساب اللغة بالعمر بيولوجياً. وتتلخص هذه النظرية في المقولة بأن هناك فترة حرجة لاكتساب اللغة كأبنائها بحيث يصبح الاكتساب بعد هذه الفترة الزمنية أكثر صعوبة وأكبر جهداً. وتعني كذلك بأن الدخل اللغوي/ المدخلات إذا لم يتعرض إليها المتعلم قبل هذا العمر فإن هذا المتعلم للغة لن يسيطر سيطرة كاملة على اللغة وخاصة القواعد النحوية والصرفية.

وِنْدَر بنفيلد ولامار  روبرتس هما أول من طرح هذه الفكرة في اكتساب اللغة الثانية في ستينيات القرن الماضي والدور البيولوجي في دراسة اللغات، ويعتقدان بأن الشخص قبل سن التاسعة يستطيع تعلم أكثر من لغة دون أي تداخل بينهما أو أن تطغى واحدة على الأخرى. وأعاد إيريك بحث الموضوع بعمق أكبر في كتابه الأسس البيولوجية للغة، وأكد فيه على أن الفترة الحرجة تمتد حتى سن الثالثة عشرة، ودرس اكتساب اللغة في ضوء التطور البيولوجي للعقل البشري. ومن مبادئ هذه الفكرة أن الإنسان يولد وهو مجهز لاكتساب اللغة أي لغة على الإطلاق، وقد سماه تشومسكي بجهاز اكتساب اللغة  الذي يتم تفعيله بعيد الولادة ويتشكل مع سن الثالثة عشرة. وقد توسع البحث في هذه الفترة، واتسم البحث في هذا الموضوع بأمرين: الأول متفق عليه من قبل الجميع، والثاني كان موضع خلاف، أمّا الأول المتفق عليه، فهو وجود الفترة الحرجة نفسها، أمّا الأمر الثاني الذي اختلف فيه الباحثون فهو الفترة الزمنية التي يصبح فيها اكتساب اللغة أكثر صعوبة ولا يمكن بلوغ الكفاءة الكلية فيها، فكراشن اقترح حتى سن الخامسة، وبنكر حتى سن السادسة، ولينبيرغ حتى سن الثانية عشرة، وأخيراً إيريك وجونسون حتى سن الثالثة عشرة. 

ومن مظاهر دراسة اللغة قبل هذه الفترة أو بعدها موضوع اللكنة؛ حيث يكتسب المتعلم اللكنة كما أبناء اللغة إذا اكتُسبت اللغة قبيل الفترة الحرجة أمّا إذا تعلّم اللغة بعدها فإن اكتساب اللكنة يعتمد على عوامل أخرى ولكنه قد يصعب بلوغها والسيطرة عليها كما أبناء اللغة، حيث إن عضلات إنتاج اللغة تتشكل وتتخذ شكلها النهائي مع نهاية الفترة الحرجة بالنسبة للغات المكتسبة، ويحتاج إعادة تأهيلها بعد تشكيلها فترة طويلة من الوقت والتدريب والمران قد يحول الزمن دون إتقانها، وكلما سار الوقت بعيداً عن الفترة الحرجة يغدو الوضع أكثر صعوبة في السيطرة عليها.

ومما يتميز به اكتساب اللغات قبيل الفترة الحرجة وبعدها دور الدّماغ والمقدرة العقلية حيث يعتمد الاكتساب على التعرض الطبيعي في فترة ما قبل الفترة الحرجة في حين يتم توظيف المقدرة العقلية في تعلم اللغة الثانية بعد الفترة الحرجة، مما يعني خسارة بُعْد مهم في اكتساب اللغة في فترة ما قبل الفترة الحرجة واكتساب عنصر آخر وهو المقدرة العقلية في التعلم في فترة ما بعد الفترة الحرجة. ولكل منهما إيجابياتها وسلبياتها.

ومن قضايا هذه الفترة تداخل اللغات التي يتم تعلمها قبيل الفترة الحرجة وبعدها، ومن الطبيعي أن تشهد عملية التعلم قبل الفترة الحرجة تداخلاً في الأصوات والمفردات والتراكيب اللغوية بين اللغة الأم واللغة ألجنبية ولكنها سوف تتلاشى تصاعدياً مع الارتقاء في العمر والخبرة في التعلّم، أمّا في فترة ما بعد الفترة الحرجة فإن اللغة الأم قد تكون عاملاً مساعداً في تعلّم اللغة الثانية بل يعتقد الباحثون أن اكتساب اللغة الثانية يساعد على تعزيز الأنظمة اللغوية للغة الأولى.

ومن الدلائل الكبرى التي استند إليها لسانيو هذا الموضوع قصة الطفلة "جِني" التي اكتشفت في عام 1970 محجوزة وحدها دون أي اتصال اجتماعي لمدة ثلاث عشرة سنة بشكل غير إنساني، ووجدت دون تطور واضح في لغتها وأنظمتها المختلفة بل يمكن القول بأنها وجدت دون لغة أولى أو أم لديها، وعكف التربويون بعد ذلك على تعليمها اللغة ووجودها غير قابلة للتعلم الطبيعي بسبب اضمحلال وضمور جهاز اكتساب اللغة لديها الذي لم يتم تفعيله في وسط بيئي لغوي تفاعلي، وكان تقدمها اللغوي بطيء جداً ولا يرتقي للطبيعية. وبمقارنة معجمها اللغوي وتراكيبها النحوية فإنها لا تقارن بمن اكتسب اللغة بشكلها الطبيعي وسط بيئة لغوية طبيعية أو من تعلمها بعد الفترة الحرجة.

وعليه يمكن تلخيص فكرة الفترة الحرجة في:

  • اكتساب اللغة بيولوجياً يرتبط بالعمر.
  • هناك وقت مثالي لاكتساب اللغة. 
  • العمر الأنسب لاكتساب اللغة الثانية أو الأجنبية قبل الثالثة عشرة.
  • أي اكتساب بعد هذه الفترة يُصبح أصعب ويحتاج إلى جهد أكبر.
  • السيطرة على النظام النحوي لا يمكن اكتسابه بالكامل كابن اللغة بعد هذه الفترة.
  • اكتساب اللغة هو ثمرة لعمل العقل.