مقالات وأبحاث متخصصة في المجال

رشدي طعيمة … رجل من الزمن الجميل

رشدي طعيمة … رجل من الزمن الجميل

oleh د. إسلام يسري علي -
Number of replies: 1


بينما كنت أقف مع الزملاء سألتني إحدى الباحثات: هل من ممكن أن تعطيني رقم د.رشدي طعيمة؟ قلت لها: أستأذنه أولا. فرد باحث أقدَم له سابق معرفة بالدكتور: رقم د.رشدي ممكن تجده مع المحصل في الحافلة العامة .. الرجل أكثر تواضعا من أن تستأذنه لتعطي رقمه للطلاب!

مع اليوم العالمي للغة العربية تحل ذكرى وفاة العالم الجليل الأستاذ الدكتور رشدي طعيمة أستاذ المناهج وطرق التدريس بالجامعات المصرية والعربية، والعميد الأسبق لكليات التربية بالمنصورة ودمياط وجامعة السلطان قابوس والمستشار الأكاديمي الأسبق لوزير التعليم العمانيّ والخبير العالمي في تعليم العربية للناطقين بغيرها.

حينما شرعت في إعداد هذا المقال بحثت عن صور أستاذنا فاكتشفت أن الرجل كان مُقِلَّا جدا في التقاط الصور، ورغم صحبتي له عن قرب لعدة سنوات إلا أني لم أجد له إلا عدة صور لا تعدو أصابع اليدين.. الرجل كان رجل عمل بكل معاني الكلمة، يبدأ يومه مع صلاة الفجر ويتلو أوراده ثم يطالع ثم يتحرك إلى حيث يناديه العمل، فقد يكون في أسيوط يناقش رسالة للماجستير أو في جامعة القاهرة يناقش رسالة للدكتوراه أو مسافرا لأقصى الشرق يحضر مؤتمرا في ماليزيا أو تايلاند أو زائرا لمعاهد إسلامية في الفلبين أو مدعوا لندوة في المغرب.

اقتربت منه في السنوات العشر الأخيرة من عمره فكنت أرى عالما ممن كنت أقرأ عنهم في كتب التاريخ، أمانة علمية صارمة، تواضع جم، بذل بلا حساب، داعية بسلوكه.

سأحكي في هذا المقال مجموعة من المواقف الإنسانية وفي الحلقة الثانية سأتحدث عن علمه رحمه الله.

 

الوطني:

كان محبا لبلده مصر ممتنا لما قدمته له شاعرا بأنه فرد من أمة تضحي من أجله فقد حكى لي إنه عندما كان في بعثة الدكتوراه في مينسوتا بالولايات المتحدة كان يتسلم منحة شهرية تقدر بمائتي دولار تقريبا، فكان يقبل النقود ويقول هذه أرسلها الفلاح المصري من عرقه لأتعلم!

وعلى الرغم من ذلك لم يكن قُطْرِيًّا ولا عرقيا ولا عنصريا بل كان محبا للجميع على اختلاف أشكالهم وألوانهم، إلا أنه كان متحيزا للثقافة العربية الإسلامية، وكان يحذر من حالة الاستغراب التي تضرب بعض الدول العربية وخطورة ذلك على الهوية العربية الإسلامية، لكنه في الوقت نفسه كان مقدرا للعلم الذي وصل إليه الغرب .. حتى أني مرة سألته لماذا تقدر علمهم بهذا الشكل وفي الوقت نفسه دائما تؤكد على هويتنا .. قال إنهم يخلصون في دراستهم وعطائهم العلمي لذا أقدرهم لكن لهم ثقافتهم ولنا ثقافتنا وعلى كل أن يحترم الآخر.

 

الوفيّ:

كان وفاؤه لأساتذته كبيرا فكان دائما يذكر أستاذه الدكتور رشدي خاطر -رحمه الله- بخير بل وأتذكر أنه وقد قارب السبعين شارك في حفل لإحياء ذكرى أستاذه، وفي مساء ذلك اليوم قابلته فقال لي إنه سيمر على بيت أستاذه ليعطي لأسرة د.خاطر الكلمة التي ألقاها في تلك المناسبة! وامتد هذا الوفاء لأساتذته في أمريكا فكان يذكرهم بالخير دائما، وذات مرة كنا في بيته وكان الدور الأول كله مكتبة وكانت تتجاوز الخمسة وثلاثين ألف كتاب، فأشار للكتب بالإنجليزية وكان عددها هائل .. قال هذه هدية من أستاذي الأمريكيّ الذي أشرف على الدكتوراه أعطاها لي وقال إن وطنكم يحتاج لها !

 

المجتهد:

وحكي شيخ التربويين د.سعيد إسماعيل علي في تقديمه لكتاب تحليل المحتوى للدكتور طعيمة أنه رافق د.طعيمة في سفر أثناء عملهما في السعودية في الثمانينات، فنزلا في غرفة واحدة وأراد د. سعيد النوم فأطفأ النور على اعتبار أن د. طعيمة سينام أيضا، لكن أستاذنا طعيمة كان ينزل يجلس على الأرض ومعه كتاب ليقرأ في بصيص الضوء القادم من ممر الفندق لأنه لا يريد أن يتوقف عن المطالعة وفي الوقت نفسه لا يريد أن يزعج رفيقه في السفر وشريكه في الغرفة.

 

الوالد:

أما عن اهتمامه بتلاميذه فرغم كثرتهم إلا أنه كان يتذكر موضوع كل واحد منهم ولا تستبعد أنه عندما يقابل أحدهم يقول له لقد وجدت لك ما يفيدك في رسالتك تفضل هذا البحث!

وكان في محاضراته لنا يقول لنا اجلسوا كما تحبون من أراد أن يضع قدما على قدم فليفعل، ومن يستريح وهو ممددا قدميه فلا يتحرج.. المهم أن تركزوا معي في موضوعنا.

كان الرجل يقول دررا حتى أني كنت أكتب أحيانا أحاديثه في الهاتف التي يرد فيها على تلاميذه وزملائه، فكان دائما يرد بكرم فإذا سأل الباحث سؤالا رد رحمه الله بذكر كل الآراء وأين يمكن للباحث أن يعثر علي مصادر لها وربما أوصاه بالاتصال بأساتذة آخرين وأعطاه أرقامهم وأوصاهم به!

وكان يعرف أحوال تلاميذه فهذا لديه ابن مريض وذلك أمه ستجرى لها عملية جراحية وثالث يبحث عن عمل في الخارج ورابع يريد أن يترقى وخامس لديه مشاكل مع مشرفه ويحتاج دعم د.طعيمة !

وأتذكر أني عندما سافرت لماليزيا لدراسة الماجستير كان أول من اتصل بي للإطمئنان عليّ وقد زودني قبل سفري بأسماء طلابه وأصدقائه هناك وكتب لي تزكية لألتحق بالجامعة.

 

المعطاء:

حكي لي أ.د/صلاح سلطان مؤسس الجامعة الأمريكية الإسلامية بمتشجان أنه أثناء تأسيس الجامعة انتدب د.طعيمة لوضع برنامج تعليم العربية ومراجعة برامج الجامعة بشكل عام، في نهاية الرحلة أراد د.صلاح تقديم مبلغ رمزي للدكتور طعيمة وقال له سامحنا ربما هذا المبلغ يفيد في شراء هدايا للأسرة .. فرفض د.طعيمة رحمه الله أخذ أي شيء وقال له : أنا جئت لله فدع الرحلة كلها له عز وجل دون أي شوائب!

ومثلها ما سمعته من أحد الباحثين أن د.طعيمة كان ضيف أحد المؤتمرات في جنوب شرق آسيا، في دولة يشكل المسلمون فيها أقلية، فرفض أن يأخذ أي مقابل لحضوره بل عندما أدرك أن هناك عجزا في ميزانية المؤتمر ساهم معهم في تكاليفه! وهذه القصة سمعها صديقي من القائمين على المؤتمر وليس من أستاذنا.

من صاحب الرجل كان يشعر فيه بمسحة صوفية جميلة فلم يكن درويشا ولكن كنت تشعر أنه متوكل على الله، زاهد فيما في أيدي الناس، بسيط بلا إدعاء، غني بلا كبر.

 

الشريف:

مع اقترابي منه كنت أخشى أن أسأله عن أدائه السياسي حيث كان عميدا لكليتيّ تربية في فترة اتسمت بالصدام بين اتحادات الطلاب والسلطات في مصر.. كنت خائفا جدا أن يخيب أملي ويكون من الأشخاص الذي يدعون ما لقيصر لقيصر .. تجرأت مرة وسألته ماذا كنت تفعل مع الطلاب المعارضين للنظام؟ .. قال أولا أنا كنت عميدا منتخبا ولم أكن معينا من أحد .. ثانيا أنا لا أنتمي لأي حزب أو جماعة ..فأنا حر.. وعندما رجعت من العمل في الخارج وانتخبت عميدا .. وصلتني تعليمات بشطب مجموعة من الطلاب المرشحين في الانتخابات فاستدعيت أحد المسئولين في الكلية وقلت له : هل هؤلاء الطلاب مخالفون للقانون لأن عندي تعليمات بشطبهم من قوائم المرشحين؟ .. فقال لي الموظف: إن هؤلاء أفضل طلاب عندنا في الكلية لكن جرت العادة على شطبهم تمهيدا لتزوير الانتخابات دون إزعاج .. فرفض د.طعيمة شطبهم ، وتدخل فيما بعد للإفراج عن بعض الطلاب المعتقلين .. مما دفع وزير التعليم في ذلك الوقت للتعريض به في اجتماعه مع قيادات الجامعة فيما بعد بقوله "إن بعض العمداء لا يعرفون توجهات الدولة ويقومون بأفعال معارضة لسياستها".. وأدى هذا السلوك الراقي من العميد رشدي طعيمة وغيره إلى صدور قانون تعيين العمداء حتى لايصل إلا من يكون مرضيا عنه من الأجهزة الرسمية.

كلما كنت أقترب منه أكثر كنت أفهم لماذا لم يصبح وزيرا .. لدرجة مرة كان يتكلم في قضية وبدت فيها إسلاميته .. فقلت له طبيعي ألا تكون وزيرا يا أستاذنا .. فقال: "لقد رشحت مرتين للوزارة لكن كانوا يستبعدونني".

 

الحكيم:

كانت له عدد من الحكم يرددها كثيرا ودارت الأيام ورأيت بصيرته.. منها "العلم رحم بين أهله" و"اصبر على العلم يعطيك" و"المعلم سيد العملية التعليمية" وكان عندما يأتي باحث برأي غريب .. يقول له رحمه الله "جرب.. فالكلمة الأخيرة في التربية لم تقل بعد".

 

المرح:

على الرغم من المكانة العلمية والرسمية التي حصلها إلا أنه كان مرحا ولاتمل من الجلوس معه أو الحضور لدرسه..فكان يلقي النكات ويحكي النوادر التي قابلها في حكايته رحمه الله وهي كثيرة .. ومن القصص التي كان يحكيها كثيرا ويَضْحَك ويُضْحِك طُلابَه .. حينما سأل أستاذه الأمريكي: ما اللغة التي تتوقع أن يتكلم بها أهل الجنة؟ .. فقال الأستاذ - ولم يكن مسلما- : "طبيعي أن تكون العربية لأنها لغة القرآن أو العبرية لأنها لغة التوراة".. فسأله د.طعيمة: ولم لا تكون الإنجليزية؟ .. فرد عليه أستاذه : لأننا لن ندخل الجنة أصلا !

 

شكر:

أشكر صديقيّ العزيزين أ.وليد السيد وأ.إيهاب سليمان لمراجعتهما هذا المقال حيث كانا شاهدين على كثير من تلك المواقف معي.